الشيخ محمد الصادقي
541
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
25 - لَقَدْ بتأكيدين اثنين أَرْسَلْنا بجمعية الصفات الرحيمية رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وهي الآيات الدالات على الحق منفصلة عن الكتاب كذلك وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ الرباني ، إليهم مستقلا كأولي العزم ، أو فرعا عنهم ، كسائر أصحاب الكتاب ، أم إلى أولياءهم ، كالرسل الذين لم ينزل إلى أنفسهم أي كتاب ، والجمع " أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ " لأنهم حملة رسولية وَالْمِيزانَ الذي يوزن به الحق والباطل ، والثلاثة كلها مجموعة في " القرآن " فإنه بينات وكتاب وميزان ، مهما كان الميزان أعم من البينات والكتاب ، " اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ " ( 42 : 17 ) " وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ " ( 55 : 7 ) ميزانا لكل ما يوزن ، بكتاب أو سنة ، حكما بميزان : " إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ " ( 4 : 105 ) لا بالكتاب فحسب ، ثم لا يعني من الكتاب والميزان إلا لِيَقُومَ النَّاسُ ومن أشبه بِالْقِسْطِ في كافة الموازين ، علما وعقيدة وعملا ، فرديا وجمعيا ، ثم من لا يقوم بالقسط بعد وضوح الحجة ، وبيان الحجة وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ قوات حديدية تحدهم على الميزان فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ دفعا وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ نفعا وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ علما لا علما ، بعد هذين مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ في القيام بالقسط بمورديه بِالْغَيْبِ عمن سواهم دون رئاء ، وغيب اللّه إذ لا يرى ، وغيب رسل اللّه عند تغيّبهم وما أشبه من غيب كما في الحضور فيما أمكن إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ في قوته ، لأنه ذو الفضل الرحيم . 26 - وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ من أولي العزم . وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ الرباني فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ به وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ عنه . 27 - ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ الرسولية بسائر رسلنا حتى المسيح وَقَفَّيْنا هم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ مما يدل على وحدة الإنجيل وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وتابعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً ممتازة عمن قبلهم ، ثم وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها كأنها فرض عليهم ، وهي الانعزالية إلى عبادة اللّه ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ بها في مواردها فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها إذ عزلوها عن عزلتها العبادية ، إلى عزلة حياتية ، وكأنها سنة ربانية ، تركا للعشرة الجماهيرية ، وللزواج وسائر متطلبات الحياة فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وهم الذين رعوها حق رعايتها وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ الرهبان فاسِقُونَ عن شرعة اللّه والرهبنة ، حفاظا على ظاهر منها وتركا لباطنها ، فلا رهبانية في الدين كأصل ، بل هي امتحان دون امتهان وترك للحياة المألوفة ، كما وأن " رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها " ما كانت من أصل الدين ، بل كتبها اللّه عليهم امتحانا مؤقتا ، ولكنهم حرفوها عن مواضعها على محنتها ، مثل ما كتب اللّه من مواصفات " بقرة " على اليهود ففسقوا فيها . 28 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بالإسلام اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد ، دون رهبانية أبدا ، بل تقوى جماهيرية معلنة يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ كفل الإيمان الكتابي قبل ، وآخر لإيمان آخر ، وكما للمؤمنين غير الكتابيين ، أولا لأول الإيمان ، وآخر لمزيد الإيمان ، كما الإيمان بالإسلام مزيد للإيمان الكتابي : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ " وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ في الحياة وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . 29 - ذلك لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ غير المؤمنين بالإسلام أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تخيلا أنهم قادرون عليه بكفرهم تعصبا على دينهم وَأَنَّ الْفَضْلَ فقط بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ دون اختصاص لفضله بمن يزعمون منهم : " وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ . . " ( 2 : 111 ) وما أشبه من جهالاتهم .